نبذة عن حياة الكاتب
العبادات

النجـاسـات
النجاسة تعني القذارة، وقد تسمى بالخبث، وتقابلها الطهارة. وواجب المسلم شرعاً أن يزيل كل ما يصيبه من النجاسة قبل القيام إلى الصلاة، أو إتيان أي طاعة من الطاعات.
والنجاسة تكون على نوعين: نوع يدرك بالحواس، ونوع يدرك بالبصيرة. وهذا النوع الثاني هو ما وصف به الله تعالى المشركين بقوله عزَّ وجلَّ: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التّوبَة: 28]. وقد سمَّى الله تعالى المشركين نجساً لا بوصفهم بشراً، لأن الإنسان خلقه الله طاهراً، بل لخبث اعتقادهم وأفعالهم وأقوالهم، فهم أقوام نجس لأنهم لا يغتسلون من الجنابة، ويشربون الخمرة، ويأكلون لحم الخنزير، وهم لا يتوضأون إلى صلاة أو صيام، فضلاً عمَّا يمهد لهم الشرك من افتراء على الله تعالى وعلى رسوله والمؤمنين.
ونحن لن نتعرض إلى أحكام النجاسة المتأتية عن الشرك، بل نعرض للنوع الأول من النجاسات التي تدرك بالحواس، ألا وهي تلك القذارة التي يتوجب على المسلم أن يتنزَّه عنها، ويغتسل مما أصابه منها، وأن يطهّر أشياءه من ملامستها أو ملاقاتها، وذلك لقوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ *} [المدَّثِّر: 4]. وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ *} [البَقَرَة: 222].
ويحتوي هذا النوع من النجاسات على: الميتة، الدم، لحم الخنزير، لحم الجلالة، الكلب، المني، القيء، القيح، بول الآدمي وعذرته، بول وروث ما لا يؤكل لحمه من الحيوان.
وترد أحكام هذه النجاسات على الشكل التالي:
1 - الميتة:
قال الله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} [المَائدة: 3]...
والميتة من الحيوان ما نفق وفقدت منه الروح من غير تذكية. وقد اتفق جميع فقهاء المسلمين على أن مثل هذا الحيوان، إن كان له دم سائل، فإن كل أجزائه تكون نجسة، إلا الأجزاء التي لا تحلها الحياة كالظلف والقرن والوبر فإنها تبقى على طهارتها. ونجاسته متأتية من كونه مات من غير تذكية، أي من غير ذبح شرعي وذكرِ اسمِ الله عليه، لقوله تعالى: {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} [المَائدة: 3]، أي محرَّم عليكم كل حيوان ميت ما لم يذبح شرعاً.
فالتذكية إذن هي الذبح الشرعي، أي بفري الأوداج والحلقوم لكل حيوان حي ولم يكن بحكم الميت.
أما ميتة ما لا دم سائل له كالنمل والنحل والجراد والذباب، وغيرها من الحشرات الدّابة أو الطائرة، فهي طاهرة، فإن وقعت في شيء وماتت فيه فلا تنجسه؛ كما لو وقعت ذبابة في طعام حارٍّ أمامك، وماتت، فيبقى طاهراً فقد جاء في الأثر: «كل شيء ليست له نفسٌ سائلةٌ فإنه لا ينجِّسُ الماءَ إذا مات فيه» أما ميتة الإنسان فهي زوال قوته الحاسّة. فإن كان مسلماً فإن جثته تطهر بالغسل(+)، وإن كان غير مسلم فإن جثته تبقى على نجاستها لأنها لم تُغسل، ولا تقام عليها فريضة الطهارة كما هي الحال عند المسلمين.
2 - الدم:
قال الإمامية بنجاسة الدم من كل حيوان له نفس سائلة(+)، إنساناً كان أم غير إنسان، شهيداً أو غير شهيد. كما قالوا بطهارة دم كل حيوان ليس له نفس سائلة، سواء كان حيواناً بريَّاً أم مائيَّاً، وحكموا بطهارة الدم المتخلف في الذبيحة.
أما المذاهب الأربعة فقد اتفقت أيضاً على نجاسة الدم واستثنت منه دم الشهيد ما دام عليه، والدم المتخلف في الذبيحة، ودم السمك والقمل والبراغيت والبق.
قال الله تعالى: {قُلْ لاَ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعَام: 145].
وهذا يعني أن كل ميتة، أو دمٍ مسفوح، أو لحم خنزير هو رجس. والرجس هو نجس، أي كل شيء مستقذر تنفر منه الأذواق السلمية.
فالميتة هي رجس أي نجاسة وقذارة كما يصفها رب العالمين وكذلك الدم المسفوح وهي المُنْصَب، أي الدم الذي يخرج سائلاً من الحيوان، وقد خصَّهُ الله تعالى بالذكر، وجعله حراماً، لتمييزه عن الدم الذي يبقى مختلطاً باللحم ولا ينزل منه، فيكون معفواً عنه ومباحاً (وهذا هو الدم المتخلف في الذبيحة).
3 - لحم الخنزير:
ومثل الميتة والدم المسفوح، كذلك لحم الخنزير فهو محرَّم على المسلم لأنه رجس. ولأنه كما ثبت في علم الطب مضر بصحة الإنسان ويمكن أن يؤدي إلى قتله، بسبب جرثومة الترخينه الموجودة فيه.
ولحم الخنزير نجس بعينه. والنص القرآني قد جاء على ذكره عيناً ليبين مدى حرمته، وليس لكونه مضرَّاً بالصحة ولا لكونه ميتة فقط؛ ولا عبرة في ذبح الخنزير شرعاً، لأنه نجس العين، حتى أن مسّه نجاسة، وكذلك سائر أجزائه من لحم وشعر وعظم وجلد.
والخنزير حكمه حكم الكلب، عند جميع المذاهب، إلاّ الإمامية فقد أوجبوا غسل الإناء منه سبع مرات بالماء فقط. سئل الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) عن خنزير شرب من إناء، كيف يصنع به؟ فقال: «يغسل سبع مرات»(+).
وتلك الأعيان الثلاثة - الميتة والدم ولحم الخنزير - قد جاء تحريمها في الآية الثالثة من سورة المائدة، وما أعقبها في هذه الآية الكريمة يكون حكمه في حكم الميتة التي لا يذكر اسم الله عليها، وعلى هذا فإنه يكون محرَّماً ولا يؤكل أو يطعم لحمه: {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} [المَائدة: 3](+). إلاّ ما ذكي منها، أي ما يدرك وفيه الروح، ويذبح شرعاً، فيحل أكل لحمه.
وعلى هذا فإن كل حيوان بري لم يذبح شرعاً، بحيث لم يسل دمه منه يصبح بحكم الميتة التي حرَّمها الله تعالى على المؤمنين. وهذا الحكم الشرعي يجب أن يدركه من يعيشون في الغرب من المسلمين، أو في بلادٍ لا تراعي طريقة الذبح الإسلامي.. وقد يحتج بعض هؤلاء أنَّ ضرورات الحياة تفرض عليهم أكل اللحم في تلك البلاد. ونحن نقول لهم، هنالك مواد غذائية كثيرة تقوم مقام اللحم ويمكنهم الأكل منها، فلا يجوز بالتالي لمن تفْرِضُ عليه ظروفه العيش في بلدٍ غير مسلم، أو ليست فيه أماكن للذبح على الطريقة الإسلامية أن يأكل اللحم كيفما اتفق له، ودون أن يتأكد من مصدره وطريقة ذبحه، لا سيما وأن المجال متاح له لأن يأكل غير اللحم، ولا ضير أو ضرر في ذلك، على صحته ونشاطه. وأما حكم {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ} [البَقَرَة: 173] فذلك حكم لظروف قاهرة، وطارئة، وتكون لفترة يمكن للإنسان أن يتخلص فيها من حكم الظرف القاهر الذي طرأ عليه، فإذا ما تجاوز هذه الفترة، عاد لسيرته الأولى في تطبيق الحكم الشرعي. أي بمعنى آخر إنَّ من يقيم في بلاد لا تراعي طريقة الذبح الإسلامي، سواء كان في زيارة لفترة وجيزة، أم لسفر عدة سنوات، أم للإقامة الدائمة فهو لا ينطبق عليه حكم الضرورة.
4 - الجلاَّلة (الحيوان الجلاَّل):
الحيوان الجلاَّل هو الحيوان الذي يأكل العذرة، وقد يكون من الإبل أو البقر أو الغنم أو الماعز أو الدجاج أو غيرها من بهيمة الأنعام.. ولأن الحيوان الجلال، قد يصادف وجوده، هنا أو هناك، فقد كان له حكم خاص في الفقه الإسلامي. روي عن ابن عباس (رضي الله عنه) قال: «نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن شرب لبن الجلالة»(+)، وفي رواية أخرى: «نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الشرب من في السقاء وعن ركوب الجلالة والمجثمة»(+).
وعن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) أنه قال: «لا تأكلوا من لحوم الجلالات، وإن أصابكَ من عرقها فاغسله».
وإن أيَّ حيوان يؤكل لحمه، وعُرِفَ أَنه يأكل العذرة ويشتد لحمه منها بات محرَّماً أكله إلى أن يتركَ العذرة، ويأكل علفاً طيباً مدةً يبرأ فيها من الجلل، ويذهب هذا الاسم عنه، وحينها فقط يطيب لحمه ويحلّ أكله لأن علة النهي قد زالت، ولأن الأحكام تابعة للأسماء.
وقد اتفق جميع الأئمة على أن فضلة «الحيوان الجلاَّل» نجسة.
5 - الكلب:
روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه دُعِيَ إلى دار أحدهم فأجاب، ودُعِيَ إلى دار آخر فلم يجب الدعوة، فلما سئل عن ذلك أجاب (صلى الله عليه وآله وسلم): «إن في دار فلان كلباً» ، فقيل له: وإن في دار فلان الآخر هرة، فأجاب (صلى الله عليه وآله وسلم): «إن الهرة ليست نجسة» (+).
فكان ذلك إفهاماً للناس بأن الكلب نجس.
وقد روي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً أنه قال: «إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً» (+).
وعن أبي هريرة، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات، أولاهن بالتراب» (+).
قال الإمامية: «غسل الإناء من ولوغ الكلب مرة بالتراب ثم بعدها مرتين بالماء، لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «يغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثاً» (+).
وقالت الحنفية: «إن الكلب ليس بنجس العين كالخنزير لأنه ينتفع به حراسةً واصطياداً. وفم الكلب وحده، ولعابُه ورجيعُه(+) هو النّجس، ولا يقاسُ عليه بقيّة جسمه، ويغسلُ الإناءُ سبعاً لولوغه فيه».
وقالت المالكيّةُ: «الكلبُ سواءٌ أكان مأذوناً في اتخاذه للحراسةِ أَمْ للماشيةِ، أم غيرِها، أم لم يكن مأذوناً في ذلك، فهو طاهرٌ مطلقاً، وولوغهُ هو الذي يُغسلُ من أجله، تعبّداً، سبعَ مرات».
وقال الشافعيّةُ والحنابلةُ: «الكلبُ وما تولّد منه من الفروع، وسؤرُه وعرقُه، نجسُ العين، ويُغسلُ ما تنجّس منه سبعَ مرات إحداهن بالتراب».
6 - الخمر:
أصلُ الخمر: سترُ الشيء. ويقال لما يُستَر به: خِمار أي غطاء. وخمَّرتُ الإناء: غطّيتُه وقد صار الخِمار في التعارف اسماً لما تُغطّي به المرأةُ رأسها.
وقد سُمّيتِ الخمرُ كذلك لكونها خامرةً للعقل، أي مُخمِّرةً له ومبطلةً قوّةَ إدراكه. ويقال خمراً لكل شرابٍ مُسكرٍ.
قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسَرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ *} [المَائدة: 90-91].
وقال رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ما أسكرَ كثيرُه فقليلُه حرام» (+). وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «كلُّ مُسكرٍ خمرٌ وكلُّ خمر حرام» (+).
وجاء في الأثر: «حُرِّمتِ الخمرةُ لعينها» وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «شاربُ الخمر كعابدِ الوثن» (+). وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: «لُعن في الخمرة عَشرةٌ: الخمرةُ، وعاصرُها ومعتصرُها، وساقيها وشاربُها، وحاملُها والمحمولةُ إليه، وبائعُها وشاربها، وآكلُ ثمنها» (+).
والخمرةُ نَجَسٌ عند جميع الفقهاء. وهي تشتملُ على كل مائعٍ بالأصل حتى ولو صار جامداً بالعَرَضِ، كما لو تجمَّد النبيذُ بفعل التعتيقِ أو القِدم، فإنه يبقى نجساً.
قال بعضُ المؤلّفين من فقهاء الإماميّة: اتفق علماءُ السنّةِ والشيعةِ على نجاسة الخمر، إلاّ شرذمةً قليلةً لم تعتدّ غالبيةُ فقهاء المسلمين بمخالفتها.
واضحٌ كلَّ الوضوحِ حكمُ الخمر في الكتابِ والسنّة. فهما يحرّمانها تحريماً قاطعاً لا لَبْسَ فيه ولا غُموض. ويكفي للتدليلِ على هذا التحريم مخاطبةُ ربِّ العالمين لنا ونهيُنا عن تعاطي الخمرةِ بقوله تعالى: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ *} [المَائدة: 91] فهو سؤالُ توبيخٍ، ونهي في آنٍ معاً، ولا يحقُّ للمسلم وقد جاءه هذا الأمرُ الربّانيُّ الجازمُ أن يحتجّ بأيِّ تأويلٍ أو تفسيرٍ آخر، أو أن يختلقَ الأعذارَ لمعاطاةِ الخمرةِ في هذا السبيلِ أو ذاك.
وما دامَت الخمرُ حراماً، وكلُّ حرامٍ نجسٌ كان الإجماعُ في الفقهِ على نجاسةِ الخمر.
وبرغم هذه الحقيقةِ الناصعةِ التي يُبرزُها كتاب الله المبينُ، وتؤكّدُها السنّةُ النبويّةُ الشريفة، فإنه يبدو مفيداً أن نصوّر الحالةَ التي كانت سائدةً في المجتمع الإسلاميِّ يوم نزل الأمرُ الربّاني بتحريم الخمر. وما يستدعي هذا التصويرَ أنّ هناك لغطاً حول تحريم الخمر أو عدم تحريمها، بحجّةِ أن لفظةَ «حرام» لم تردْ في القرآن الكريم بل وردت لفظة «النهي»، والنهيُ في عرف المحتجّين والمشكّكين هو غيرُ التحريم.. وواضحٌ أنّ ما يرمون إليه من وراءِ ذلك هو إيجاد تبريرات وتفسيرات تناسبُهم، لأنهم يتعاطَوْن الخمر، ويحاولون - بسبب هذا التعاطي - اجتراحَ تأويلاتِ باطلةٍ، وفلسفاتٍ عقيمةٍ لا تجدي نفعاً، وكأنما يدلّون على أنفسهم بأنفسهم أنهم جهلةٌ في اللّغةِ العربيّةِ ولا يميّزون بين تعبيرين يؤديان نفسَ المعنى. ثم أليس في محاولاتهم تلك نوع من استغفال النَاس؟ وما درَوْا أنّهم كانوا هم ذوي الغفلةِ المقيتة بقولتهم أن ليس في القرآن تحريمٌ للخمرة بل نهيٌ عنها. وتزداد غفلتهم عندما يذهبون في آرائهم للمقارنة ما بين الخمر والحرير، متذرعين أن الحرير محرَّمٌ لبسُهُ على الرجال، من غير أن يكونَ محرَّماً اقتناؤه أم ملامستُهُ أو المتاجرة به!. ولكنهم نسُوا أن المأكولاتِ والملبوساتِ والمطعوماتِ والمشروباتِ توقيفيةٌ ولا يحقُّ لأيِّ فقيهٍ أن يبحثَ متسائلاً: لماذا أُحِلَّ هذا وحُرِّم ذَاك؟ إن الحلالَ والحرامَ أمران من الله تعالى، ذي الأوامرِ والنواهي الواجبة الطاعةِ، فما أمر به - سبحانه وتعالى - واجبُ الأداء، وما نهى عنه واجبُ الترك.. وعلى المسلم واجبُ الامتثالِ لأوامرِ الله تعالى ونواهيه من غيرِ أيِّ قياسٍ أو تبرير أو احتجاج..
بعد هذا التوضيح، نعود إلى واقع المسلمينَ، وإلى تلك الحالةِ التي كان عليها الناسُ في المجتمع الإسلاميِّ، والجاهليِّ، يومَ أن نزلت آياتُ تحريم الخمرِ والنّهي عنها.. فلقد كانتِ الخمرةُ والميسرُ والأنصابُ والأزلامُ من معالمِ الحياةِ الجاهليةِ البارزةِ، ومن العاداتِ والتقاليدِ التي تغلغلت في نفوسِ أبناءِ المجتمع الجاهليّ، وعليها دأَبوا في التعاطي والتعاملِ مع بعضِهم بعضاً، حتى باتت من أعرافهم ومن السماتِ التي طُبعت بها حياتُهم.
كان عربُ الجاهليّة يشربون الخمرَ بإسراف. وقد جعلوا تعاطيها من المفاخرِ التي يتسابقون إليها في مجالسهم ونواديهم، حيث تُدار عليهم الكؤوسُ ويرتفع افتخارهم شعراً وبلاغةً ومدحاً.. وكان يصاحبُ مجالسَ الشرب نحرُ الذبائح، واتخاذُ الشّواء منها للشاربين - تماماً كما يفعل جاهليّو هذه الأيّام حيث يقيمون حفلاتِ السكر ويكثرون من اللحوم للشاربين - وكانت تلك الذبائحُ في الجاهلية تُنحرُ على الأنصاب، على تلك الأصنام من الحجارةِ التي كانوا يعبدونها، لتقرِّبَهم زلفى إلى الله تعالى. فكانوا يكرّمون تلك الأصنامَ بالذبح عندها ونضحِها بدم الذبائح، ثم يدعونها ويستشفعونها ورؤوسُهم مملوءة خمراً..
وفي مجالس الخمر، أو غيرِها من المناسبات التي لا تخلو من خمر كالأعراس التي يقيمونها، والاحتفالِ بمواليد الذكور، والانتصار في الغزو والسّلب والنهب.. في مثل تلك المناسباتِ وغيرها كانوا يُجرون الميسر عن طريق الأزلام. وهي قداحٌ كانوا يستقسمون بها الذبيحةَ، فيأخذ كلٌّ منهم نصيبه منها بحسب قدحه. فمن قِدحُه - أي كان قدحُه المعلّى - كان له النصيبُ الأوفرُ، وتقلُّ حصّةُ كلِّ واحدٍ حتى لا يكونَ لأحدهم - أو لقدحِه - أيُّ نصيب، وقد يكون صاحبَ الذبيحةِ نفسَه، فيخسرُها كلَّها.
وتلك العاداتُ والتقاليدُ كانت تتشابكُ في حياة أولئك الأقوام وتجري وفق حالةِ الجاهليّة وتصورّاتِها الاعتقادية الفاسدة، ولذا يجبُ أن تُؤخذ بعين الاعتبار لأهميّتها في حياةِ الجماعات البشرية، إذ إن العقيدة تكونُ، دائماً، هي الأساسَ لكلِّ تصور عن حياة الناس، وعما قبلها وما بعدها. لذا لم يبدأ المنهجُ الإسلاميُّ في معالجةِ تلك العاداتِ والتقاليدِ، في أوّل الأمر، لأنّها إنما تقومُ على جذورٍ اعتقاديةٍ، فعلاجُها بصورةٍ سطحيّةٍ قبل علاج جذورها الغائرةِ في أعماقِ النفوس، يذهبُ سدًى، ويكون جهداً ضائعاً، حاشا للمنهج الإسلامي أن يفعله، وهو منهجٌ، لم ينزّلْه الله تعالى، خالقُ تلك الأنفس، إلاّ لمعالجتها وتقويم مسيرتها. من هنا، من الأساس والجذور، بدأ الإسلامُ عملَهُ، بدأ باجتثاث التصوّر الجاهليّ الاعتقاديِّ جملةً من جذوره، وإقامة التصوّرِ الإسلاميِّ الصحيح. لقد بيّن للنّاس فسادَ تصوراتهم عن الألوهيّة، وهداهم إلى الإله الحق، إلى الله تعالى الواحدِ الأحدِ، خالِقهم وخالق هذا الكون الذي يعيشون بين أرجائه. وحين عرفوا حقيقة وجود الله تعالى، بدأت نفوسُهم تستمعُ إلى ما يحبُّه - سبحانه - لهم وما يمقتُه، وتتقبّلُ كلَّ ما يأمرُهم به الدّينُ الذي أنزله عليهم هدى ورحمةً لهم وللعالمين. ومن قبلُ لم يكونوا ليسمعوا أو يطيعوا أمراً ولا نهياً، وما كانوا ليقلعوا عن موروثاتهم ومألوفاتهم الجاهليّة مهما تكرر لهم الأمر، وتعاقب عليهم النهي، وبُذلت لهم النصيحة. جاء الإسلام ليدحضَ عقيدةَ الشرك، وكلَّ ما بُنيَ على تلك العقيدة، لأنّه الدينُ الذي يعالجُ النفوسَ، ويعرفُ أن مفتاحَ هذه النفوس هو العقيدة، فما لم تُفتحْ بهذا المفتاح - أي ما لم تتوضّحْ صورةُ العقيدةِ وتُصحّحْ - فستظلُّ قابعةً في سراديبَ مظلمةٍ، وتائهةً في دروب بهيمية، إذا ما أُضيءَ منها جانبٌ أظلمت جوانبُ، وعادتِ الظلماتُ تلُفُّها، وتطغى على جذورِها وكاملِ كيانها.
لذلك لم يبدأ المنهج الإسلاميُّ في علاجِ موروثات الجاهليّة ومخلفاتها الظاهرة، وإنما بدأ من العقيدة، بدأ من حقيقةِ التوحيد التي تقومُ على شهادةِ أن «لا إلهَ إلاّ الله»، وعلى التصديقِ بحامل هذه الشهادة إلى الناس. ولم يكن همّاً أن تطولَ فترةُ إرساءِ العقيدةِ الجديدة، عقيدة التوحيد، بعيدةً عن كل كفرٍ وشرك، وأن تمتدَّ تلك الفترةُ إلى نحوٍ من ثلاثة عَشَرَ عاماً، بل كان الأهمُّ ألاَّ يكون فيها إلاّ تلك الغاية المرجوة، وهي اهتداءُ الناس إلى حقيقة وجود الله تعالى، ومعرفتهم أنه خالقُهم العظيم، ومدبرُ حياتهم، والمهيمنُ على وجودهم ومصيرهم، والمستعلي بسلطانه الحقِّ على كل شيء.. حتى إذا خلصت نفوسُهم لله تعالى، وأصبحوا لا يجدون لأنفسهم خِيرَةً إلاّ ما يختارهُ ربُّهم، عندئذٍ بدأت التكاليفُ، وعندئذٍ بدأت تنقيةُ رواسبِ الجاهلية: النفسيّةِ والأخلاقيةِ والسلوكيّةِ والاقتصادية.. في تلك الحقبة الوضاءة، وقد بات فيها الإسلامُ متغلغلاً في النفوس، نزل تحريمُ الخمر فانتهى الناسُ عنه تحريماً قاطعاً مطلقاً، وباتوا كأنهم لا يتعاطون الخمر من قبلُ وكأن الأرباح التي كانت تدر على بعضهم ليس لها أثرٌ على طريقة عيشهم. وكلُّ هذا، لأنهم اعتقدوا اعتقاداً جازماً بما أنزل ربُّهم عليهم فامتثلوا لأوامره ونواهيه.
فأين المسلمون اليومَ من هذا النهي أو أين انقيادهم لربّهم وخالقهم، وهم لا يراعون للإسلام إلاًَّ ولا ذمة، ولا يحافظون على شرع الله تعالى ومنهاجه لهم في هذه الحياة؟ إنهم يتعاطون الخمرةَ، ويترعون كؤوسها، وكأنما لم ينزل فيها لا تحريم ولا نهي، وهو الانقياد عينه إلى ما يريده الشيطان، ويكرهه الرحمان، الذي هدانا بقوله العزيز: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسَرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ *} [المَائدة: 91].
7 - المني(+)
عن ابن عباس (رضي الله عنهما) أن المني يوجب الغُسل، بينما قال عن المذي والوذي والودي: «إغسل ذكرك وتوضأ وضوءك في الصلاة»(+).
قال الإمامية والحنفية والمالكية بنجاسة المني، عند الإنسان وغيره، ولكن الإمامية يستثنون مني الحيوان الذي ليس له نفس سائلة، كالسمك والحشرات، فقالوا بطهارة منيه ودمه، لأن دم هذه الحيوانات لا يجري من العروق بدفع وقوة، وإنما ينزل رشحاً.
وقال الشافعية بطهارة مني الآدمي وكل حيوان، إلاّ الخنزير والكلب.
وقال الحنابلة أيضاً بطهارة مني الآدمي، والحيوان الذي يؤكل لحمه، أما ما لا يؤكل لحمه فمنيه نجس. وأما المذي والودي فيجب عند الإمامية غسل المحل الذي نزلا منه. وهما نجسانِ عند الحنفية والمالكية والشافعية. وعند الحنابلة طاهر مذي أو وذي أو ودي الحيوان المأكول، ونجس للحيوان غير المأكول.
8 - القيء والقيح(+):
هما طاهران عند الإمامية، نجسان عند المذاهب الأربعة.
إلا أنه يعفى عندهم عن اليسير منهما، وكذلك الأمر بالنسبة للمذي والوذي والودي.
9 - بول الآدمي وعذرته:
إن بول الآدمي وعذرته نجسان عند جميع الأئمة. فكل ما يخرج من الإنسن بولاً أو غائطاً يكون نجساً عيناً ولا يطهر بحال.
أما بالنسبة إلى فضلات الحيوان، فقد تباينت الآراء:
قال الإمامية: إن فضلات الطيور جميعاً، سواء المأكول وغير المأكول، تكون طاهرة. وكذلك الأمر بالنسبة إلى كل حيوان ليس له دم سائل، سواء أكان مأكولاً أم غير مأكول. وأما الحيوان الذي له نفس سائلة (أو دم سائل) فإن كان مما يؤكل لحمه كالإبل والغنم والبقر والماعز، ففضلاته طاهرة، وإن كان مما لا يؤكل لحمه كالسباع والضباع والنمور والأسود والفهود ففضلاته نجسة، وكل حيوان يشك بأن لحمه يؤكل أو لا يؤكل، تكون فضلته طاهرة. عن عمار الساباطي، عن أبي عبد الله جعفر الصادق (عليه السلام) قال: سئل الصادق على الخنفساء والذباب والجراد والنمل وما أشبه، يموت في البئر، أو الزيت أو السمن أو ما شابهه، فقال (عليه السلام): «كل ما ليس له دم فلا بأس به»(+). وقد ثبت عنه (عليه السلام) أنه قال أيضاً: «إغسل ثوبك من بول ما لا يؤكل لحمه، ولا تغسل ثوبك من بول شيء يؤكل لحمه»، كما قال (عليه السلام) كذلك: «كل شيء يطير لا بأس بخرئه وبوله»(+).
وقال الحنفية: إن روث الخيل وخِثي البقر وجميع فضلات الحيوان غير الطائر نجسة.
وذهب الإمامان مالك وأحمد، وجماعة من الشافعية إلى القول بطهارة بول وروث ما يؤكل لحمه.
وقد قال ابن تيمية: لم يذهب أحد من الصحابة إلى القول بنجاسته، بل هو قول محدث ولا سلف له في الصحابة. قال الوليد ابن مسلم: سألت الإمام الأوزاعي: «فأبوال الدواب مما لا يؤكل لحمه كالبغل والحمار، هل هي نجس؟» فقال الأوزاعي: «قد كانوا يبتلون بذلك في مغازيهم فلا يغسلونه من جسدٍ أو ثوب».
وقال الشوكاني: «الظاهر طهارة الأبوال والأزبال من كل حيوان يؤكل لحمه تمسكاً بالأصل، واستصحاباً للبراءة الأصلية. والنجاسة حكم شرعي، ناقل عن الحكم الذي يقتضيه الأصل والبراءة، فلا يقبل قول مدعيها إلا بدليل يصلح للنقل عنهما، ولم نجد للقائلين بالنجاسة دليلاً لذلك».
وعن ابن مسعود (رضي الله عنه) قال: «أتى النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) الغائط فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال هذا رجس»(+)، وزاد (في رواية): «إنها ركس، إنها روثة حمار» .
وخلاصة البحث: أن بول الآدمي وغائطه نجسان.
أما فضلات الحيوان فيميز بين ما يؤكل لحمه فتكون طاهرة، وما لا يؤكل لحمه فتكون نجسة، وتخرج عن ذلك الحنفية التي قالت بنجاسة فضلات الحيوان.
10 - الحيض:
قال الله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيْضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البَقَرَة: 222].
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لفاطمة بنت أبي حبيش: «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي» (+).
والحيض في اللغة هو السيل. وفي اصطلاح الفقهاء: هو الدم الذي تعتاد المرأة رؤيته في أيام معلومة، ويعرف بالعادة الشهرية.
وقد اتفق جميع الأئمة على أن ما تراه الأنثى قبل بلوغها تسع سنين لا يمكن أن يكون حيضاً، بل هو دم علة وفساد، وكذلك ما تراه الآيس، المتقدمة في السن. ولكن آراءهم تباينت في تحديد سن اليأس، فقال الإمامية هو سن الخمسين لغير القرشية وللمشكوك في أنها قرشية، أما القرشية المعروفة فهو سن الستين.
وقال الحنفية: سن اليأس عند المرأة خمس وخمسون (55 سنة) أما المالكية فجعلوه السبعين (70) سنة، وزاد عليهم الشافعية بأن قالوا: ما دامت الحياة فالحيض ممكن وإن كان الغالب انقطاعه بعد سن الثانية والستين (62) سنة. وقال الحنابلة خمسون (50 سنة).
مدَّةُ الحيض : قالت الإمامية والحنفية: أقل مدة الحيض ثلاثة أيام، وأكثرها عشرة، وكل دمٍ لا يستمر ثلاثاً أو يتجاوز عشراً فليس بحيض.
وقال المالكية: لا حدَّ لأقله، وأكثره خمسة عشر يوماً لغير الحامل.
وقالت الشافعية والحنابلة: أقله يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يوماً.
أحكام الحائض : يحرم على الحائض كل ما يحرم على الجنب من مسِّ كتابة المصحف والمكث في المسجد، ولا يقبل منها الصوم والصلاة أيام الحيض ولكن عليها أن تقضي ما فاتها من صوم رمضان دون ما فاتها من الصلاة لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لفاطمة بنت أبي حبيش «دعي الصلاة قَدْرَ الأيام التي كنت تحيضين فيها، واغتسلي وصلي» (+).
وقد اتفق جميع الأئمة على أن غُسل المرأة الحائض لا يُغني عن الوضوء، كما اتفقوا على تحريم وطئها (جماعها) أيام الحيض. أما الاستمتاع بها ما بين السرة والركبة، فقال الإمامية والحنابلة: يجوز مطلقاً مع الحائل ودونه. أما الحنفية والشافعية فقد حرموا الاستمتاع بغير حائل، وأجازوه معه. بينما المالكية لم تجزه ولو مع الحائل، كما هو المشهور عندهم.
ولكن إذا غلبت الشهوة على الزوج وقارب زوجته الحائض، فعليه أن يكفّر بدينار في أول الحيض، وبنصف دينار في وسطه، وبربع دينار في آخره. وقالت المالكية والشافعية: «يستحب التصدق ولا يجب». أما المرأة فلا كفارة عليها - عند جميع الأئمة - وإن كانت آثمة لو رضيت وأطاعت زوجها في وطئها.
والغسل من الحيض كالغسل من الجنابة تماماً.
11 - الاستحاضة:
الاستحاضة لغة من الحيض، وهي كل ما تراه المرأة من الدم في غير وقت الحيض والنفاس، وهذا الدم لا يمكن أن يكون حيضاً، كالزائد عن أكثر مدة الحيض. كما أنه يخالف دم الحيض في الصفات لأنه في الغالب يكون أصفَر، بارداً، رقيقاً يخرج بفتور.
وقد قسم الإمامية المستحاضة إلى ثلاثة أقسام: صغرى، ووسطى، وكبرى وذلك بالنظر إلى قلة ما تراه من الدم وكثرته. ويقوم هذا التقسيم على أساس اختبار المستحاضة لنفسها وذلك بوضع قطعة قطن صغيرة مكان خروج الدم وتركها بعض الوقت فإن تلوثت القطنة بدم لا يغمرها أو لا يسيل منها فهي مستحاضة صغرى فوجب عليها أن تبدل القطنة وأن تغسل ظاهر الفرج، وتتوضأ لكل صلاة، بحيث لا يجوز لها أن تصلي صلاتين بوضوء واحد.
وإن غمر الدم القطنة كلها أو معظمها ولم يسل منها فهي مستحاضة وسطى، وحكمها أن تبدل القطنة أو الخرقة النسائية التي تضعها عادة في هذه الحال وأمثالها، وعليها وجوب غسل واحد كل يوم قبل صلاة الصبح أو الفجر، والوضوء لكل صلاة.
وإن غمر الدم القطنة وسال منها فهي مستحاضة كبرى، وحكمها أن تغتسل ثلاث مرات: غسلاً قبل صلاة الصبح، وآخر تجمع به بين صلاة الظهرين، وثالثاً لصلاة العشاءين. وفي سائر الأحوال فإن الغسل من الاستحاضة عند الإمامية كالغسل من الحيض بدون أي تفاوت.
أما المذاهب الأربعة فلم تأخذ بالتقسيم الذي أخذت به الإمامية، ولم توجب الغسل على المستحاضة. كما أن الاستحاضة عند الأئمة الأربعة لا تمنع شيئاً مما يمنعه الحيض.
12 - النفاس:
النفاس (بكسر النون) هو لغةً ولادة المرأة إذا وضعت، فمتى ولدت يقال عنها نفسَاء.
دم النفساء : قال الإمامية والمالكية هو الدم الذي يقذفه الرحم بسبب الولادة، أي مع الولادة أو بعدها، لا قبلها. وقال الحنفية هو الدم الخارج بعد الولادة أو عند خروج أثر الولد. أما ما يخرج من دم قبل الولادة أو عند خروج أقل الولد فليس بنفاس.
وقال الحنابلة: هو الدم النازل مع الولادة وبعدها، وقبلها بيومين أو ثلاثة مع أمارات الطلق.
حد النفاس : اتفق جميع الأئمة على أنه لا حد لأقل النفاس، فيتحقق بالفطرة. أما أكثر النفاس أو المدة القصوى للنفاس فهي عشرة أيام عند الإمامية، وأربعون يوماً عند الحنفية والحنابلة، وستون يوماً عند المالكية والشافعية.
حكم النفساء : وإذا ولدت الحامل ولم ترَ دماً فلا يجب عليها الغسل عند الإمامية والحنابلة، وعلى عكس ذلك الحنفية والمالكية والشافعية التي توجب عليها الغسل. وإذا خرج الولد من غير المكان الطبيعي، كما لو أولدت المرأة بعملية جراحية فلا تكون نفساء. وتنقضي عدة المطلقة حاملاً كيفما اتفقت الولادة. والنفاس له نفس أحكام الحيض، إذ يحرَّم أن توطأ النفساء، ولا يتوجب عليها لا صلاة ولا صوم، وإنما عليها قضاء ما فاتها من أيام الصوم، دون قضاء الصلاة. ولا يجوز لها مس كلمات القرآن الكريم، ودخول المساجد أو المكث فيها وما إلى ذلك من الأحكام باتفاق جميع المذاهب.
وصورة الغسل من النفاس كصورة الغسل من الحيض والاستحاضة والجنابة.

مقدمة الكتاب
القسمُ الأوّل
القِسم الثاني
القِسم الثالِث
القسم الرابع
الإسلام وثقافة الإنسان
الطبعة: الطبعة التاسعة
المؤلف: سميح عاطف الزين
عدد الصفحات: ٨١٦
تاريخ النشر: ٢٠٠٢
الإسلام وثقافة الإنسان
الطبعة: الطبعة التاسعة
المؤلف: سميح عاطف الزين
عدد الصفحات: ٨١٦
تاريخ النشر: ٢٠٠٢
الإسلام وثقافة الإنسان
الطبعة: الطبعة التاسعة
المؤلف: سميح عاطف الزين
عدد الصفحات: ٨١٦
تاريخ النشر: ٢٠٠٢
الإسلام وثقافة الإنسان
الطبعة: الطبعة التاسعة
المؤلف: سميح عاطف الزين
عدد الصفحات: ٨١٦
تاريخ النشر: ٢٠٠٢