الصفحة الرئيسة نبذة عن حياة الكاتب مجموعة الكتب كتب منتقاة  

المعاملات والبينات والعقوبات

الطبعة : الطبعة الثانية  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   1102
تاريخ النشر :   2009


الـديـات

تعريف الـديـة:
اتفق الأئمة على أن المراد بالدية شرعاً المال الواجب بالجناية على النفس، أو ما هو في حكمها. وهذا المال الواجب بالجناية منه ما هو مقدر في الشرع، كدية النفس وأكثر الأعضاء، ومنه ما فوض أمر تقديره إلى الحكومة، أي بالاستناد إلى معرفة الخبراء الموثوق بهم الذين يقدِّرون التعويض عن الضرر الذي لحق بالمجنى عليه، له أو لورثته. والضابط في ذلك أن كل ما يكون غير مقدر شرعاً يُرجَعُ فيه إلى الحكومة[*].
ويـدخـل فـي ذلك الأرش: وهـو المـال الـواجب المـقـدر شـرعاً للاعتداء على ما دون النفس، أي مما ليس فيه دية كاملة من الأعضاء.
مشروعية الدية:
والأصل في الدية قول الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا *} [النِّسَاء: 92].
أما في السّنة الشريفة، فقد وردت عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أحاديث كثيرة عن الديات، أشهرها حديث عمرو بن حزم وهو: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) كتب إلى أهل اليمن كتاباً فيه الفرائض والسنن والديات. وقد جاء في الكتاب: أن من اعتبط (قتل بغير سبب موجب) مؤمناً قتلاً عن بينة فإنه قود، إلا أن يرضى أولياء المقتول، وأن في النفس: «الدية مائة من الإبل»[*].
وقال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام):«إن شاء أولياءُ المقتول أن يعفوا عن القاتل فعلوا وإن شاؤوا قبلوا الدية»[*]، إلى غيرها كثير من الروايات.
نوع الدية ومقدارها:
اتفق الأئمة على أن الجناية على ثلاثة أنواع: عمد محض، وخطأ محض، وشبه عمد، ويسمى أيضاً عمد الخطأ.
والعمد أن يكون عامداً في فعله وقصده، أي يقصد الفعل والقتل، أو يقصد الفعل القاتل، كما مر في بحث القصاص.
والخطأ المحض أن يكون مخطئاً في قصده وفعله، كما لو رمى حيواناً فأصاب إنساناً، وكذا إذا رمى إنساناً فأصاب غيره. وهذا من الخطأ المحض، ومرجعه إلى عدم قصد الشخص.
وشبه العمد أن يكون عامداً في فعله مخطئاً في قصده، كمن ضرب صبياً للتأديب فمات، فالضرب مقصود، أما الموت فغير مقصود.
قال الإمام الصادق (عليه السلام): «العمد كل من اعتمد شيئاً فأصابه، والخطأ من اعتمد شيئاً فأصاب غيره». وفي رواية ثانية: «إنْ ضربَ رجلٌ رجلاً بعصاً أو بحجرٍ فمات من ضربةٍ واحدةٍ قبل أن يتكلم فهو شبه العمد»[*].
وبالإجمال: العمد المحض أن يتعمَّد القتل مباشرة أو تسبيباً، والخطأ أن يتعمّد شيئاً فيصيب غيره، وعمد الخطأ أن لا يقصد القتل فيقع القتل.
كما اتفق الأئمة على أن الأصل في جناية العمد القصاص، سواء أكانت قتلاً، أم قطعاً، أم جرحاً، لأن معنى القصاص المماثلة، ولا يثبت المال إلا بالتراضي، ويجوز أن يكون بقدر الدية، وأقل وأكثر كما تقدم.. أجل، تتعين دية القتل عمداً المنصوص عليها شرعاً إذا فات المحل كما إذا مات القاتل، أو كان أباً للمقتول، أو كان المقتول مجنوناً. وتثبت الدية بالأصل في قتل الخطأ المحض، أو شبه العمد، وقد نص الشرع على دية العمد، والخطأ، وشبه العمد.
أما بخصوص أنواع الدية:
- فقد اتفق الشيعة الإمامية والحنبلية وصاحبا أبي حنيفة على أن الدية تجب في ستة أشياء: الإبل، والذهب، والفضة، والبقر، والغنم، والحلل.
- وقال الحنفية والمالكية: إن الدية تجب في واحدٍ من ثلاثة أنواع: الإبل، والذهب، والفضة، ويجزئ دفعها من أي نوع.
- ورأى الشافعي في مذهبه الجديد أن الأصل في الدية مائة من الإبل إن وجدت، فإذا لم توجد في موضع يجب تحصيله منه، أو إن وجدت فيه بأكثر من ثمن مثلها، فالواجب قيمة الإبل بنقد البلد. والبحث عن الدية في كل نوع من أنواع القتل وفقاً لمذاهب الأئمة يكون على النحو التالي:
1 - دية القتل العمد:
- قال الشيعة الإمامية: إذا قُتل الذكر المسلم عمداً، ومن في حكمه كالمولود على الفطرة، فديته مع العفو من ولي الأمر ألف دينار[*] أو عشرة آلاف درهم، أو ألف شاة، أو مائتا حلة، أو مائة من الإبل، أو مائتا بقرة. والخيار بين هذه الأشياء الستة للجاني، لا لولي المجنى عليه. ويُعطى الجاني مهلة سنة كاملة لتأديتها، ولا تجب المبادرة، كما لا يجوز التأخير عن السنة إلا برضا من يستحق الدية.. وفي ذلك روايات عديدة عن أهل البيت (عليه السلام):
منها ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): «من أن الدية كانت في الجاهلية مائة من الإبل فأقرها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم)، ثم فرض على أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشياه ألف شاة ثنية، وعلى أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الوَرِق - الدراهم المضروبة - عشرة آلاف درهم، وعلى أهل الحلل مائتي حلةً»[*].. وفي رواية ثانية: مائة من الإبل.. ورواية ثالثة تدل على أن نوع الدية في كل أرض على ما يوجد فيها غالباً.. وبهذا يتبين لنا أن المراد من التخيير هو التسهيل والتيسير.
ودية العمد يؤديها الجاني من ماله، لا من مال العاقلة.
وقال جماعة من الفقهاء: إن الإبل يجب أن تكون ثنايا فصاعداً، وإن كل حلة ثوبان من بُرد اليمن.. أما البقر والشياه فيكفي منهما ما يصدق عليه الاسم.
ولا فرق في ذلك بين أن يكون المقتول كبيراً، أو صغيراً، أو عاقلاً، أو مجنوناً، أو سليم الأعضاء، أو مفقودها عملاً بإطلاق النص. وهذا التعميم يشمل دية العمد، والخطأ، وشبه العمد.
- وقال الحنفية والمالكية[*]: دية العمد، عند العفو عن القصاص، غير محدودة، فالواجب هو ما يتم الاتفاق عليه بين الجاني وولي الدم. فإن لم تحدد الدية كانت بحسب المقدار الشرعي مائة من الإبل أو ما يقوم مقامها من الدنانير والدراهم.
- وقال الشافعية والحنبلية: دية العمد، بحسب المقدار المحدد شرعاً: مائة بعير، لقوله (صلى الله عليه وآله وسلّم) في حديث عمرو بن حزم في الديات: «في النفس مائة من الإبل»[*].
2 - دية الخطأ وشبه العمد:
قال الشيعة الإمامية: تشترك الديات الثلاث: العمد، والخطأ، وشبه العمد في التخيير بين الستة، وهي الإبل، والبقر، والغنم، والحلل، والدراهم والدنانير (من الذهب والفضة) وأيضاً تشترك دية العمد مع دية شبه العمد في أن كلاًّ منهما تستوفي من مال الجاني، لا من العاقلة، وأن الخيار للجاني فيهما.
وتفترق دية العمد عن دية شبه العمد في أمرين: الأول في سنيّ الإبل، لا في عددها، أي في الكيف لا في الكم. والثاني أن الجاني عمداً يُمهل سنة لوفاء الدية، أما الجاني شبه العمد فيمهل سنتين.
وتفترق دية العمد عن دية الخطأ المحض في أربعة:
1 - في أسنان الإبل (أي من حيث سنها، ثنايا أو أكثر).
2 - في أنَّ العامد يدفع الدية من ماله، والمخطئ تدفعها عنه العاقلة.
3 - في أنَّ العامد يُمهل سنة للوفاء، والعاقلة تُمهل ثلاث سنين.
4 - في أنَّ الخيار بين الأنواع الستة للعامد، أما في دية الخطأ فالخيار للعاقلة.
وتفترق دية شبه العمد عن الخطأ المحض في أن الجاني في شبه العمد يمهل سنتين والخيار له. وفي قتل الخطأ تمهل العاقلة ثلاثاً والخيار لها، وأيضاً يفترقان في سنيّ الإبل. أما في البقر والشياه والحلل والدراهم والدنانير فلا فرق بين الجميع لا كماً ولا كيفاً. وأيضاً تفترق دية شبه العمد عن الخطأ في أن الدية في الأول من مال الجاني، وفي الثاني من مال العاقلة.
- وقال الحنفية والشافعية والحنبلية: تجب دية شبه العمد، على العاقلة وليس في مال الجاني، وهي مؤجلة في مدى ثلاث سنين.
- وقال المالكية: إن دية شبه العمد، الذي هو في حكم العمد، هي في مال القاتل، لا في مال العاقلة، لأنه هذا العقل (الدية) موجب فعل قصده الجاني، فلا تحمله العاقلة عنه.
3 - القتل في الأشهر الحرم:
الأشهر الحرم أربعة وهي: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم. وقد اتفق فقهاء الإمامية، بشهادة صاحب الجواهر، على أن من قتل عمداً في هذه الأشهر فعليه دية وثلث تغليظاً في العقاب، لانتهاكه حرمة هذه الأشهر المقدسة. فقد سئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن رجل يقتل في الأشهر الحرم، ما ديته؟ «قال: عليه دية وثلث»[*].
وألحق جماعة من الفقهاء حرم مكة المكرمة بالأشهر الحرم.
4 - دية غير المسلم:
- قال الشيعة الإمامية[*]: دية الذمي 800 درهم أي ثلثا عُشر دية المسلم علماً بأن دية المسلم عشرة آلاف درهم فضة أو ألف دينار ذهب. وفي ذلك روايات عن أهل البيت (عليه السلام). ولا دية لغير أهل الذمة. قال صاحب الجواهر: «بلا خلاف أجده».
- وقال الحنفية[*]: إن دية الذمي والمستأمن كدية المسلم، فلا يختلف قدر الدية بالإسلام والكفر لتكافؤ الدماء، وعملاً بقوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} [النِّسَاء: 92].
- وقال المالكية والحنبلية[*]: دية الكتابي (اليهودي والنصراني) نصف دية المسلم، لقوله (عليه السلام): «دية المعاهد نصف دية المسلم»[*] ونساؤهم النصف، أي كما هو الحال في ديات النساء المسلمات حيث دية المرأة نصف دية الرجل.
- وقال الشافعية[*]: دية اليهودي والنصراني والمعاهد والمستأمن ثلث دية المسلم، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): «فرض على كل مسلم قتل رجلاً من أهل الكتاب أربعة آلاف درهم». وقضى بذلك عمر وعثمان (رضي الله عنهما)، كما روى الشافعي والدارقطني عن ابن المسيب.
5 - دية المرأة:
اتفق الأئمة على أن دية المرأة المسلمة على النصف من دية الرجل من أنواع الدية الستة المتقدمة سواء أكانت الجناية عمداً، أو خطأ، أو شبه عمد، صغيرة كانت، أو كبيرة، وعاقلة، أو مجنونة، سليمة الأعضاء، أو غير سليمة. وكذا الجراحات والأطراف منها على النصف من الرجل ما لم تُقصّر ديتها عن ثلث دية الرجل، فإن قصرت دية الجناية جراحة، أو طرفاً عن الثلث تساويا قصاصاً ودية.
6 - العاقلـة:
هي التي تتحمل العقل أي الدية، وقد سميت الدية عقلاً لأنها تعقل الدماء من أن تسفك.
أما أحكامها بحسب المذاهب فهي على النحو التالي:
- قال الشيعة الإمامية: إن دية العمد وشبهه من مال الجاني، وإن دية الخطأ من مال العاقلة. وذهب المشهور بشهادة صاحب الجواهر إلى أن القاتل خطأ، وإن كان غنياً، والزوج والزوجة، والأنثى وإن كانت من قرابة الأب، والصبي والمجنون والفقير، والجنود الذين أعدهم الحاكم للجهاد، ورتب لهم أرزاقاً من بيت المال، ومن يتقرب بالأم فقط، كل هؤلاء، والوارثون منهم، لا يتحملون شيئاً من دية الخطأ، ولا يشملهم اسم العاقلة التي تتحمل المال.
والذين يتحملون دية الخطأ عن القاتل هم العصبة قرابة الأب، كالإخوة والأعمام، وأولادهم، فإن لم يكونوا، فضامن الجريرة، فإن لم يكن فبيت المال، إذ «لا يُطَلُّ دمُ امرئ مُسلم»[*]. ولا يشترط فيمن يتحمل الدية أن يكون وارثاً في الحال.
وتسأل: هل يدخل الآباء والأبناء في العاقلة، ويتحملون من دية الخطأ مع من يتحملها من قرابة الأب؟
ذهب المشهور بشهادة الشهيد الثاني في المسالك وشرح اللمعة إلى عدم الدخول، وأنهم لا يتحملون منها شيئاً، لأن الأصل براءة الذمة، حتى يثبت الدليل، ولا دليل إلا رواية سلمة، وهي ضعيفة، وثبوتها على قرابة الأب لا يستدعي ثبوتها على الأب والابن.
وقال آخرون بدخول الآباء والأبناء ومشاركتهم العاقلة في تحمل الدية. ومن هؤلاء صاحب الشرائع والجواهر، لأن دية الخطأ على العصبة، ولفظ العصبة تشملهم.
- وقال الحنفية: العاقلة: هم أهل الديوان إن كان القاتل من أهل الديوان أي الجيش أو العسكر الذين كتبت أساميهم في الديوان، وهم المقاتلة من الرجال الأحرار البالغين العاقلين، أي أهل الرايات والألوية، تؤخذ من عطاياهم أو أرزاقهم لا من أصول أموالهم.
وإن لم يكن القاتل من أهل الديوان فعاقلته: قبيلته وأقاربه، وكل من يتناصر بهم، حتى من أقرب القبائل نسباً على ترتيب العصبات: الأقرب فالأقرب، فيقدم الإخوة ثم بنوهم، ثم الأعمام ثم بنوهم.
والقاتل يدخل مع العاقلة فيؤدي مثل أحدهم، لأنه هو الجاني.
ولا يدخل في العاقلة آباء القاتل وأبناؤه، ولا الأزواج، ولا النساء والصبيان والمجانين. وتتحمل العاقلة نصف العشر فصاعداً، وما نقص عن هذا المقدار فهو في مال الجاني.
- وقال جمهور المالكية (على المعتمد في المذهب) والشافعية والحنبلية؛ العاقلة هم قرابة القاتل من قبل الأب، وهم العصبية النسبية كالإخوة لغير أم والأعمام، دون أهل الديوان. ويدخل عند المالكية والحنبلية (في أرجح الروايتين عن أحمد): الآباء والأبناء. واستثنى الشافعية الأصل من أب وإن علا، والفرع من ابن وإن سفل. ومن لم تكن له عاقلة أديت ديته من بيت المال.
ولا تؤخذ الدية من فقير في العاقلة ولا من امرأة ولا صبي، ولا زائل العقل.
الكفـارة:
- أجمع فقهاء الإمامية على أن من قتل مسلماً متعمداً فعليه أن يجمع بين عتق رقبة مؤمنة، وصيام شهرين متتابعين، وإطعام ستين مسكيناً، وتسمى هذه الكفارة بكفارة الجمع. سئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن المؤمن يقتل عمداً، أَلِقَاتِلهِ توبة؟ قال: «إن قَتَلَهُ لإيمانه فلا توبةَ له، وإن كان قتله لغضبٍ أو سببٍ من أسباب الدنيا فإن توبته أن يُقاد منه، وإن لم يكن قد علم به أحد انطلق إلى أولياء المقتول، فأقرَّ عندهم بقتل صاحبهم، فإن عفوا ولم يقتلوه، أعطاهم الدية، وعتق نسمة، وصام شهرين متتابعين، وأطعم ستين مسكيناً»[*].
وإن كان قد قتله خطأً، أو شبه عمدٍ، فعليه أن يدفع الدية إلى أهله، وأن يُكفِّر بعتق نسمة، فإن عجز صام شهرين متتابعين، فإن عجز أطعم ستين مسكيناً.
واتفق فقهاء الإمامية على أن الكفارة تجب في العمد والخطأ وشبهه لقتل المسلم ذكراً كان أو أنثى، كبيراً أو صغيراً، عاقلاً أو مجنوناً. ولا تجب لقتل غير المسلم سواء أكان القتل عمداً أو خطأ.
كما لا تجب الكفارة إطلاقاً إلا إذا باشر الفاعل القتل بنفسه. أما إذا كان القتل ناتجاً عن سبب قام به الفاعل كمن طرح حجراً في الطريق العام، أو حفر حفرة في غير ملكه، فمات شخص بسبب ذلك، فإن على الفاعل المسبب الدية دون الكفارة.
مذاهب الأئمة الأربعة في الكفارة:
كفارة القتل العمد:
- قال الحنفية والمالكية والحنبلية[*]: لا تجب الكفارة في القتل العمد، لأن النص القرآني اقتصر على الكفارة في القتل الخطأ، وذلك جبراً للذنب غير المقصود. أما القتل العمد فجزاؤه جهنم خالداً فيها، وهو أمر متروك لمشيئة الله (سبحانه وتعالى)، لأن الله يعذّبُ من يشاء، ويغفر لمن يشاء، فهو جلَّ وعلا، صاحب الشأن والأمر في الدنيا والآخرة. وعلى هذا فلا كفارة موجبة في القتل العمد لأنها لو كانت واجبة لدلّ عليها النص، ولأن في القتل العمد القصاص، فلا موجب للكفارة.
وقد استدل الجمهور على ذلك «بأن سويد بن الصامت قتل رجلاً، فأوجب النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) عليه القود، ولم يوجب كفارة، وبأن عمرو ابن أمية الضمري قتل رجلين في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) فوداهما (صلى الله عليه وآله وسلّم) ولم يوجب كفارة»[*].
- وقال الشافعية[*]: تجب الكفارة في القتل العمد على البالغ العاقل، كما تجب في شبه العمد، وفي الخطأ، سواء أكان القاتل كبيراً عاقلاً أم صغيراً، أم مجنوناً، مسلماً أم ذميّاً، فاعلاً أصليّاً أم شريكاً. وسواء أكان القتل مباشرة أم تسبباً. وذلك كله إذا كان المقتول مسلماً ولو بدار حرب، أو ذمياً، أو جنيناً، بل وتجب حتى ولو بقتل نفسه.
ولا تجب الكفارة بقتل مباحٍ كالحربي، والباغي، والصائل، والمقتصّ منه، والمرتد والزاني المحصن.
وقد اعتبر الشافعية أن الكفارة واجبة في القتل العمد لأن المقصود من تشريع الكفارة هو رفع الذنب ومحو الإثم، والذنب في القتل العمد أعظم من القتل الخطأ، فكانت الكفارة في العمد أحرى، وأولى، والعامد أحوج إليها لرفع الذنب وتكفير الخطيئة. واستدلوا على رأيهم بخبر وائلة بن الأسقع قال: «أتينا النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) في صاحب لنا قد استوجب النار بالقتل، فقال (صلى الله عليه وآله وسلّم): «اعتقوا عنه رقبة، يعتق الله تعالى بكل عضو منها عضواً منه من النار»[*].
كفارة القتل شبه العمد:
- قال الحنفية والشافعية والحنبلية: تتوجب الكفارة في القتل شبه العمد، لأنه ملحق بالخطأ المحض في عدم القصاص، وتحمل العاقلة دية القتيل، وتأجيلها ثلاث سنين، فجرى مجرى الخطأ في وجوب الكفارة على الجاني.
- ويعتبر المالكية أن القتل شبه العمد، مثل القتل العمد، لا يوجب كفارة.
كفارة القتل الخطأ:
وهي تجب في مال القاتل، ولا يشاركه في تحمل شيء منها أحد[*]، لأنه هو المتسبب بها ،ولأن الكفارة شرعت للتكفير عن الجاني، فلا يكفر عنه بفعل غيره لأنها عبادة.
وقد اتفق الفقهاء على وجوب كفارة القتل الخطأ، وقد أوجبها الجمهور (غير المالكية) بقتل الذمي أيضاً. أما المالكية فلا يوجبون الكفارة في قتل الذمي لأنه مهدر الدم في الجملة بسبب كفره.
دية الأعضاء والمنافع والشجاج
تبين مما سبق أن الجناية على النفس عمداً توجب القصاص، وتجوز الدية مع العفو والتراضي، وأن الجناية على النفس خطأ أو شبه العمد توجب الدية، وأن الجناية على ما دون النفس قد تكون عمداً وخطأ وشبه العمد، وأنها إن كانت جرحاً أو قطعاً عن عمد، وأمكن القصاص مثلاً بمثلٍ جاز القصاص، وإن لم تكن جرحاً ولا قطعاً، أو كانت وتعذرت المماثلة تعيَّن الأرش.. وسبق أيضاً بيان دية النفس.. ونتكلم الآن عن دية الأعضاء كاليد والرجل، ودية المنافع، كالنَّظر والسمع ودية الشجاع أو الجروح.
وكل ما فيه تقدير معين في الشرع مما هو دون النفس اقتُصر فيه على ما عينه الشارع، وكل ما لا تقدير فيه ففيه الأرش المسمى بالحكومة. والمراد بالأرش تدارك العطل والضرر الذي يقدره أهل الخبرة، ويحكمون به.. وجاء في النص التقدير لثمانية عشر عضواً من أعضاء الإنسان كما في كتاب الجواهر وغيره، ونلخصها فيما يلي، ثم نذكر بعدها المنافع.
1 - الشَّعر:
- قال الشيعة الإمامية والحنفية والحنبلية:
من تسبب بإزالة شعر رأس إنسان، بحيث لا ينبت أبداً، فعليه دية قتل النفس كاملة، ذكراً كان أو أنثى، لأنه شيء واحد في الإنسان. وقد أجمعوا على أن كل ما يكون في بدن الإنسان منه واحد فقط فإن فيه الدية كاملة. فقد سئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن رجلٍ أدخل رجلاً آخر الحمام فصب عليه أحدهم ماءً حاراً فامتعط شعر رأسه، ولحيته فلا ينبت أبداً؟ قال: «عليه الدية»[*].
وإن زال الشعر، ثم نبت، ففيه الأرش إن كان ذكراً، لعدم النص على التقدير، وإن كان امرأة ففيه مهر أمثالها. قال صاحب الجواهر: «بلا خلاف أجده». فقد سئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن رجل وثب على امرأة فحلق رأسها؟ قال يضرب ضرباً موجعاً، ويحبس في سجن المسلمين، حتى ينبت شعرها، فإن نبت أخذت منه مهر نسائها، وإن لم ينبت أخذت منه الدية كاملة[*].
وفي شعر اللحية الدية كاملة إن لم ينبت، وإن نبت فالأرش، وقيل: ثلث الدية إن نبت، لقول الإمام الصادق (عليه السلام): «قضى علي أمير المؤمنين (عليه السلام) في اللحية إذا حلقت فلم تنبت فالدية كاملة، وإن نبتت فثلث الدية»[*].
وفي شعر الحاجبين معاً 500 دينار، وفي كل واحد 250. قال صاحب الجواهر: «وفاقاً للأكثر، بل المشهور على ذلك».
وذهب أكثر الفقهاء بشهادة الشهيد الثاني في شرح اللمعة إلى أن في الأهداب الأربعة إن لم تنبت الدية كاملة، وفيما دون الأربعة الأرش، وكذا إن نبتت. والأهداب الأربعة هي الشعر النابت على الأجفان الأربعة، لكل عين جفنان أعلى وأسفل.
وفيما عدا ذلك من الشعر، كالنابت على الصدر والساعد والساق، وما إليه يثبت فيه الأرش.
- وأما عند المالكية والشافعية: فيجب في ذلك كله حكومة عدل[*].
2 - العيـن:
اتفق جميع الأئمة على أن في العينين معاً الدية كاملة، وفي واحدة نصف الدية. قال الإمام الصادق (عليه السلام): «كل ما كان في الإنسان منه اثنان ففيهما الدية، وفي أحدهما نصف الدية، وما كان منه واحدٌ ففيه الدية»[*].
قال صاحب الجواهر: «ولا فرق بين العين الصحيحة، والعمشاء، والحولاء، والجاحظة». والعمشاء ضعيفة البصر مع سيلان دمعها في الغالب، والجاحظة خارجة المقلة.
وفي العين الصحيحة من الأعور خلقة، أو بآفة من الله تعالى على حد تعبير الفقهاء، دية كاملة، لأنها بالنسبة إليه بمنزلة العينين، ولقول الإمام الصادق (عليه السلام): في عين الأعور دية كاملة[*].
3 - الأنف:
وفي الأنف دية كاملة إذا استُؤصل، لأنه واحد في الإنسان، وكل ما كان في الإنسان واحداً ففيه الدية. وفي المنخر الواحد نصف الدية، لأن الأنف يشتمل على منخرين، وكل ما كان في الإنسان اثنين ففي أحدهما نصف الدية.
4 - الأذن:
في الأذنين الدية، وفي كل واحدة النصف، تماماً كالعينين والمنخرين.. ولا فرق بين الأذن الصحيحة، وبين الصماء، لأن قوة السمع شيء، والأذن شيء آخر، فقد يكون للإنسان سمع بلا أُذن، وقد يكون له أُذن بلا سمع.. ويأتي عند الكلام في المنافع، أن ذهاب السمع موجب للدية الكاملة، لأنه تماماً كالعقل.
واشترط الإمام مالك لدية الأذنين ذهاب السمع، فإن لم يذهب ففيهما حكومة.
وإذا قطع بعضها اعتُبرت مساحة المجموع من أصل الأذن، ويُنسب المقطوع إليه، وتثبت الدية بالنسبة. قال صاحب الجواهر: «بلا خلاف، لقول الإمام علي (عليه السلام): وما قطع منها غير الشحمة فبحساب ذلك»[*].
5 - الشفة:
حكم الشفتين حكم الأذنين. وقيل في الشفة العليا ثلث الدية، وفي السفلى الثلثان، لأنها تمسك الطعام والشراب، وترد اللعاب. وقيل: وفي كل شفة نصف الدية: عليا أو سفلى، صغرت أو كبرت.
6 - اللسان:
وفيه الدية كاملة، لأنه واحد، أما الأخرس فقال الإمامية والحنبلية: فيه ثلث الدية أو حكومة. وفي لسان الأخرس عند المالكية والحنفية والشافعية: حكومة.
7 - الأسنان:
مجموع أسنان الفم 28، وفيها جميعاً تمام الدية، وفي بعضها دون بعض تفصيل بين الثنيتين، والرباعيتين، والنابين والأضراس على الوجه الذي جاء في رواية عن أبي جعفر الإمام محمد الباقر (عليه السلام)، وعمل بها الفقهاء بشهادة صاحب المسالك والجواهر، وهذه هي:
قيل للإمام (عليه السلام): إن بعض الناس له في فيه اثنتان وثلاثون سنّاً، وبعضهم له ثمان وعشرون سناً، فعلى كم تُقسم دية الأسنان؟ فقال: الخلقة إنما هي 28، اثنتا عشرة في مقاديم الفم، وست عشرة سنّاً في المؤخرة، وعلى هذا قُسمت دية الأسنان: فدية كل سن من المقاديم إذا كسرت حتى تذهب خمسمائة درهم، وهي 12 سنّاً، فديتها 6000 آلاف درهم، وديةُ كلِّ واحدٍ من الأضراس إذا كسر، حتى يذهب 250 درهماً، وهي 16 سنّاً، وديتها كلها 4000 درهم، فتجمع دية المقاديم، ودية المؤخرة من الأسنان 10000 درهم. وقد وُضعت الديةُ على هذا، أما ما يزيد على 28 سنّاً فلا دية له، وما نقص فلا دية له[*].
وقوله: وما يزيد لا دية له، معناه أن الزائد لا تُوزع عليه الدية ولكن فيه الحكومة كما هو اختيار صاحب الجواهر وكثير غيره من الفقهاء. أما قوله: وما نقص فلا دية له فمعناه أنه ينقص من الدية بمقدار ما يلحق الناقص منها لو كان موجوداً.
ثم إنه لا فرق بين السن السوداء والبيضاء والصفراء بحسب الخلقة.
8 - العنق:
إذا كسر عنقه فمال، أو تعذر عليه البلع والازدراد فعليه تمام الدية. وإذا بقي كذلك أياماً ثم صح، وعاد إلى حاله الطبيعية فعليه تدارك العطل والضرر الذي يقدره أهل الخبرة.
9 - اللحيان:
وفي اللحيين دية كاملة، وفي أحدهما نصف الدية، وفيهما مع الأسنان ديتان، ومع بعضها بحسابه. واللحيان هما العظمان اللذان تنبت اللحية على بشرتهما، ويتصل كل واحد منهما بالأذن.
10 - اليدان:
في اليدين تمام الدية، وفي واحدتهما النصف عملاً بقاعدة: كل ما فيه واحد فالدية، وما فيه اثنان فنصفها. قال صاحب الجواهر «الإجماع على ذلك مضافاً إلى النصوص العامة والخاصة، وتتساوى اليمنى واليسرى، وإن كانت اليمنى أقوى وأنفع، كما يتساوى من له يدان، ومن ليس له إلا يد واحدة، وقياس من له يدان على من له عين واحدة اجتهاد في مورد النص».
وليس للأصابع دية إذا زالت تبعاً لليد، ولها الدية إذا قطعت وحدها، كما هو مبين في الفقرة التالية.
11 - الأصابع:
في الأصابع العشر الدية كاملة، سواء أكانت في اليدين، أم في الرجلين. وفي كل إصبع عشر الدِّية. وفي كل أنملة ثلث الدية. وفي الأصبع الزائدة عند الإمامية ثلث دية الأصلية، بينما عند باقي المذاهب حكومة عدل.
12 - النخاع الشوكي:
إذا كسر الظهر ولم يصلح فعلى الجاني تمام الدية. وفي النخاع الشوكي الدية كاملة.
والنخاع الشوكي هو الأبيض في وسط سلسلة الظهر، ولا قوام للإنسان إلا به.
13 - الثديان:
في ثديي المرأة معاً ديتها (وهي نصف دية الرجل)، وفي واحدهما نصف ديتها، وفي انقطاع اللبن عنهما العطل والضرر.
وفي ثديي الرجل ديته، وفي واحدهما النصف. والدليل ما أشرنا إليه أكثر من مرة من أن ما في الإنسان منه اثنان ففي كل واحد نصف الدية. أما الدليل على العطل والضرر إذا انقطع لبن المرأة فلأن كل ما لا تقدير له شرعاً ففيه الحكومة.
14 - القضيب والخصيتان:
إذا قُطع القضيب من الأصل، أو قطعت الحشفة بكاملها فعلى الجاني الدية كاملة، لأنه واحد في الإنسان فتثبت فيه الدية، ولا فرق بين قضيب الشيخ والشاب والطفل الصغير.
وفي الخصيتين تمام الدية، وفي واحدتهما نصفها، لأنهما اثنتان في الإنسان.
15 - الشُّفران:
الشُّفران هما اللحم المحيط بفرج المرأة وفيهما معاً دية المرأة، وفي واحدهما نصف ديتها للقاعدة المعروفة. ولا فرق في ذلك بين البكر والثيب، والصغيرة والكبيرة، والجميلة والقبيحة. فلو زالت البكارة بقطعهما وجب أرشها مع الدية.
16 - الإليتان والرجلان:
عند الشيعة الإمامية وعند الجمهور (ما عدا المالكية): في الإليتين معاً، وفي الرجلين معاً، تمام الدية، وفي واحدة منها نصف الدية، لقاعدة: كل ما في الإنسان منه اثنان ففيهما الدية، وفي أحدهما نصف الدية. وقال المالكية: في إليتي الرجل حكومة، وكذلك في المرأة قياساً على الرجل.
17 - الإفضاء:
المراد بالإفضاء هنا - كما في شرح اللمعة للشهيد الثاني - أن يصير مسلك البول والحيض، أو مسلك البول والغائط واحداً من فرج الأنثى. فإذا حصل الإفضاء بأحد هذين فعلى الفاعل الغرامة على التفصيل التالي:
1 - أن يكون الفاعل زوجاً، أو ما في حكمه كالواطئ بشبهة، والموطوءة دون التاسعة، فيثبت عليه المهر والدية معاً. أما المهر فلاستقراره بالدخول، وأما الدية فلذهاب منفعة الوطء.
وتحرم عليه مؤبداً بالإضافة إلى وجوب المهر والدية. وتجب عليه نفقتها، حتى يموت أحدهما، ومع ذلك كله لا يجوز لها الزواج بغيره إلا بالطلاق أو بموته، وإذا طلقها وتزوجت سقطت عنه نفقتها، وقيل: لا تسقط بالزواج من غيره.
2 - أن يدخل الزوج بها بعد بلوغها، ويحصل الإفضاء بسبب الدخول، فلا شيء عليه سوى المهر والنفقة، كسائر الزوجات، لأنه فِعْلٌ مأذون به شرعاً، إلا إذا تعدى وتجاوز المألوف بين الزوجين.
3 - أن يكون الواطئ أجنبياً لا زوجاً، وحينئذ يُنظر: فإن كانت صغيرة فعليه ديتها ومهر أمثالها، مكرهة كانت، أو مطاوعة، إذ لا أثر لإذن الصغير، وإن كانت كبيرة ومطاوعة، فلا مهر لها، لأنها بغي، ولكن عليه ديتها، لأن الإذن بالجماع ليس إذناً بالإفضاء، على أن الإذن به لا أثر له من حيث الجواز الشرعي.
وبالإجمال إنَّ المهرَ يثبت بمجرد الدخول بالكبيرة غير البغيّ، وبالصغيرة مطلقاً، زوجةً كانت أو أجنبية، أذنت أو لم تأذن. أما الدية فتجب للأجنبية، حتى ولو كانت بغياً، وللزوجة الصغيرة، ولا تجب للزوجة البالغة. قال صاحب الجواهر في المجلد الخامس، باب الزواج، المسألة السادسة، في تحريم وطء الزوجة غير البالغة:
«لا إشكال في وجوب المهر بإفضائها مطلقاً، صغيرة كانت أو كبيرة، زوجة أو أجنبية، إلا إذا كانت مملوكة أو بغياً.. ولا خلاف معتدّ به في وجوب الدية بإفضاء الزوجة قبل بلوغها التسع.. والظاهر ثبوت الدية بإفضاء الأجنبية، صغيرة كانت أو كبيرة، مملوكة أو حرة، موطوءة بشبهة أو بزنا، مطاوعة أو مكرهة».
18 - الأضلاع:
جاء في مفتاح الكرامة أن الأضلاع قسمان: قسم يخالط القلب وفيه لكل ضلع إذا كُسر 25 ديناراً، وقسم لا يخالطه، ويلي العضدين، وفيه لكل ضلع إذا كُسر 10 دنانير.
19 - كسر العظام:
إذا لم يقطع العضو وكان فيه عظم، وكسر العظم، فإن له في كسر كل عظم من عضو له دية مقدرة خمسَ دية ذلك العضو، كما جاء في قواعد العلامة الحلي.
المنافع[*]:
المراد بالمنافع قوى النفس وغرائزها، كالإدراك، والإبصار،والسمع، والشم، والذوق وما إليه. وذكر الفقهاء جملةً من دياتها، وتجدر الإشارة إلى أنه لا قصاصَ فيها، حتى مع العمد، لتعذُّر المماثلة.
1 - العقل:
العقل: من جنى على آخرَ بجنايةٍ ذهب عقلُه بسببها فعليه ديةٌ كاملةٌ لأنه واحد في الإنسان، وكلُّ ما كان واحدٌ منه في الإنسان ففيه الدية. قال صاحب الجواهر: «بلا خلاف.. قال الإمام الصادق (عليه السلام) قضى علي (عليه السلام) في رجل ضرب رجلاً بعصا فذهب سمعه وبصره ولسانه وعقله وفرجه وانقطع جماعه، وهو حي، بست ديات»[*].
وتسأل: إذا رجع للمضروب عقله ورشدده بعد أن أخذ الدية من الجاني فهل يجب أن يردها إليه؟
الجواب: لا. فقد سئل الإمام الباقر (عليه السلام) عن ذلك؟ فقال: لا يردها، قد مضت الدية بما فيها[*].
2 - السمع:
إذا جنى عليه جناية ذهب بها سمعه من الأذنين فعليه الدية كاملة مع اليأس من الشفاء، وإن ذهب السمع من أذن واحدة فنصف الدية، ومع عدم اليأس، ورجاء الشفاء يُنظر: فإن عاد السمع فالحكومة تتدارك العطل والضرر، وإن لم يعد فالدية بتمامها.
والمرجع في إمكان الشفاء، ومدة الانتظار، أهل الخبرة.
وإذا ذهب السمع بقطع الأذنين فعليه ديتان كاملتان: واحدة للسمع، وأخرى للأذنين. قال صاحب الجواهر: «بلا خلاف، ولا إشكال للأصل، وإذا ذهب السمع كله بقطع إحدى الأذنين فدية ونصف».
3 - ضوء العين:
في ضوء العينين معاً الدية، وفي ضوء إحداهما النصف. قال صاحب الجواهر: «الإجماع على ذلك مضافاً إلى النصوص عموماً وخصوصاً من غير فرق بين أفراده شدة وضعفاً، حتى الأعشى - يبصر بالنهار دون الليل - بل والذي على عينيه بياض لا يمنعه من الإبصار».
4 - الشم:
في إبطال الشم من المنخرين الدية، ومن أحدهما نصفها. وإن ادعى المجنى عليه ذهاب الشم منه امتحن بالروائح الطيبة والكريهة، وحكم بما يثبت. وفي حديث عمرو بن حزم: «في الشامّ الدية».
5 - الذوق:
قال العلامة الحلي في القواعد: «في الذوق الدية». للقاعدة المعروفة كل ما في الإنسان منه واحد ففيه الدية، ولأنه أحد الحواس الخمس فأشبه بالشم. قال صاحب مفتاح الكرامة: «ويمكن أن يستدل عليه زيادة على ذلك بأن الذوق منفعة الإنسان، وقد أبطله الجاني، وتقرر أن في اللسان الدية، وأنه إحدى المنافع للذوق كالسمع والشم ففيه الدية مثلها، بل هو أعظم من الشم».
6 - ذهاب المني:
إذا جنى عليه فتعذر إنزال المني حين الجماع فعليه الدية كاملة. قال الشهيد الثاني: «لفوات الماء المقصود للنسل، وفي معناه تعذر الإحبال في الرجل، والحبل في المرأة، وإن أنزل المني لفوات النسل، لكن في تعذر الحبل دية المرأة إذا ثبت استناد ذلك إلى الجناية».
7 - النطق:
في حديث عمرو بن حزم: «وفي اللسان الدية».
فإذا ذهب نطقه، وبقي لسانه فعليه الدية كاملة. وإذا عجز بسبب الجناية عن النطق ببعض حروف المعجم أعطي كل حرف واحداً من 28 من الدية، لأنها عدد حروف المعجم. قال الإمام الصادق (عليه السلام): جيء إلى أمير المؤمنين علي (عليه السلام) برجل ضُرب، فذهب بعض كلامه، وبقي البعض، فجعل ديته على حرف المعجم، ثم قال: تكلم بالمعجم، فما نقص من كلامه فبحساب ذلك، والمعجم 28 جزءاً.
وبعد أن نقل صاحب الوسائل هذه الرواية قال: هذا أقوى وأشهر.
8 - سلس البول:
سلس البول هو رشحه، لعدم القوة الماسكة له. وذهب المشهور بشهادة صاحب المسالك إلى أن فيه الدية، لأن هذه القوة واحدة في الإنسان.
الشِّجاج[*]:
الشِّجاج، جمع شجّة، وهي الجرح المختص بالرأس، أو الوجه فقط. وقسم الفقهاء الشجاج إلى ثمانية أصناف تبعاً للنص، وكل صنف منها إذا وقع عمداً، وكان القصاص ممكناً مثلاً بمثل ففيه القصاص أو الصلح بين الجاني والمجنى عليه، وإلا فالدية، تماماً كغيرها. والأصناف الثمانية هي[*]:
1 - الحارصة، وهي التي تقشر الجلد وتخدشه، وفيها بعير.
2 - الدامية، وهي التي تقطع الجلد، وتأخذ في اللحم يسيراً، وفيها بعيران، ووجه التسمية بالدامية أن الدم يسيل معها.
3 - الباضعة، وهي تأخذ في اللحم كثيراً، ولا تبلغ العظم، وفيها ثلاثة أبعرة، ووجه التسمية أنها تبضع اللحم وتقطعه.
4 - السِّمحاق، وهي الجلدة الرقيقة على العظم، فمتى بلغها الجرح فديته أربعة أبعرة.
5 - الموضِّحة، وهي تكشف عن العظم، وتوضحه، ولكن لا تهشمه، وفيها خمسة أبعرة.
6 - الهاشمة، وهي التي تهشم العظم، وتكسره، ولكنها لا تشقه، وفيها عشرة أبعرة.
7 - المنقِّلة، وهي التي تنقل العظم وتزيله عن محله، وفيها خمسة عشر بعيراً.
8 - المأمومة، وهي التي تبلغ أم الرأس، وفيها ثلاثون بعيراً.
وفي كل ذلك روايات عن أهل البيت (عليه السلام) ذكرها صاحب الوسائل والجواهر في باب الديات.
وتجدر الإشارة إلى أن شجاج الرجل والمرأة سواء في الدية إلى أن تبلغ ثلث دية الرجل، وعندها يكون لشجاج المرأة نصف ما لشجاج الرجل، تماماً كما هو الحكم في القطع وسائر الجروح.
الجناية على الجنين:
إذا جنى إنسانٌ على امرأة حامل سواء بالضرب أو التخويف أو الصياح ونحوها، فأسقطت حملها، فإن فيه الدية كما أجمع الفقهاء على ذلك، ولكن مع بعض الجزئيات لدى كل مذهب.
قال الشيعة الإمامية: تكون الدية على التفصيل التالي[*]:
1 - إذا كان قد ولجته الروح فعلى الجاني دية الرجل إذا كان الجنين ذكراً، ودية المرأة إن كان أنثى، ومع الاشتباه: هل هو ذكر أو أنثى؟ فنصف دية الذكر، ونصف دية الأنثى.
2 - إذا كان الجنين تام الخلقة، ولكن لم تلجه الروح فديته مائة دينار، من غير فرق بين الذكر والأنثى.
3 - إذا كان عظماً فثمانون ديناراً.
4 - إذا كان مضغة فستون ديناراً.
5 - إذا كان علقةً فأربعون ديناراً.
6 - إذا كان نطفةً مستقرة في الرحم، ومستعدة لتكوين الجنين فعشرون ديناراً.
وقد أوضح الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) ذلك عندما جعل دية الجنين مائة موزّعة على أساس: خمسها لكل مرحلة من المراحل الأولى النطفة والعلقة والمضغة فقال (عليه السلام): دية الجنين خمسة أجزاء: خمس للنطفة 20 ديناراً، وللعلقة خمسان 40 ديناراً، وللمضغة ثلاثة أخماس 60 ديناراً. فإذا تم الجنين كان له مائة دينار، فإذا أُنشئ فيه الروح فديته ألف دينار، أو عشرة آلاف درهم إن كان ذكراً، وإن كان أنثى فخمسمائة دينار. وإن قتلت المرأة، وهي حبلى، فلم يُدْرَ أذكراً كان ولدها أم أنثى، فدية الولد نصفان: نصف دية الذكر، ونصف دية الأنثى، أما هي فديتها كاملة[*].
- وقال الأئمة الأربعة: إذا انفصل الجنين عن أمه ميتاً، فعقوبة الجاني: غرة وهي دية الجنين، ذكراً أو أنثى، عمداً أو خطأ. وهي خمسون ديناراً أو خمسمائة درهم عند الحنفية، وستمائة درهم عند باقي الجمهور[*]. وتكون الدية في الجناية عمداً مغلظة في مال الجاني عند المالكية. أما في حالة الخطأ، أو شبه العمد فهي عند الجمهور تحملها العاقلة. ويكون الجاني واحداً من العاقلة عند الجمهور ما عدا الحنبلية الذين لا يعتبرون الجاني واحداً من العاقلة. أما في حالة إلقاء الجنين حياً ثم مات بسبب الجناية عمداً فالراجح عند المالكية القصاص. وتجب الدية فقط إذا لم يؤد الفعل غالباً إلى نتيجة.
وقال الحنفية والشافعية (في الأصح) والحنبلية: إن الجناية على الجنين لا تكون عمداً وإنما هي شبه عمد أو خطأ، فتجب الدية كاملة ولا يرث الضارب شيئاً.
أما إذا خرج الجنين بعد موت الأم ميتاً:
فقال الحنفية والمالكية[*]: على الجاني دية الأم وليس عليه شيء في الجنين. وإنما عليه التعزير، إذا لم يقل دليل قاطع على أن الجناية أدت لموت الجنين أو انفصاله، وإنما يحتمل أنه مات بموت الأم، فهو يجري حينئذٍ مجرى أعضائها.
وقال الشافعية والحنبلية[*]: يجب على الجاني دية الأم وغرة الجنين، سواء ألقته في حياتها أم بعد مماتها، لأنه أتلفه مع أمه، فوجب ضمانه.
الجناية على الميت:
جاء في روايات عن أهل البيت (عليهم السلام) التشدد في احترام الإنسان الميت، وتحريم الاعتداء عليه، وأن له دية مقدرة بمائة دينار، تماماً كدية الجنين التام الخلقة قبل أن يلجه الروح.
وقد سئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن رجل قطع رأس ميت؟ قال: عليه مائة دينار. فقال له السائل: ولمن تعطى المائة دينار؟ قال الإمام: ليس فيها لورثته شيء، وإنما هذا شيء صار إليه في بدنه بعد موته، فيُحجُّ به عنه، أو يُتصدق به عنه، أو يصير في سبيل من سبل الخير[*].
ومن أجل هذا أفتى بعض الفقهاء بأن دية الميت تُنفق عنه في وجوه الخير والبر، ولا يعطى الوارث منها شيئاً، ولا تقضى منها ديونه إلا إذا لم يترك شيئاً على الإطلاق.. ولكن صاحب الجواهر يميل إلى أن الدين يوزع عليها، وعلى غيرها مما ترك إن كان قد ترك، وأصر الوارث على التوزيع.
الضرب:
جاء في كتاب الجواهر، باب الديات، ما يتلخص بأن الجناية إذا كانت بالضرب، بالكف أو بالعصا، ففيها التفصيل التالي:
1 - أن يضربه على وجهه، ويسود الوجه من أثر الضربة، فيغرم الجاني للمضروب 6 دنانير.
2 - أن يخضر الوجه، ولا يسودّ فثلاثة دنانير.
3 - أن يحمر، ولا يخضر فدينار ونصف.
قال الإمام الصادق (عليه السلام) قضى الإمام علي (عليه السلام) في اللطمة بسواد أثرها في الوجه ستة دنانير، وإن لم تسود واخضرت فثلاثة دنانير، وإن احمرت ولم تخضر فدينار ونصف[*].
4 - أن يكون الضرب في البدن لا في الوجه، فالدية على النصف من الضرب على الوجه، أي ثلاثة دنانير مع الاسوداد، ودينار ونصف مع الاخضرار، وثلاثة أرباع الدينار مع الاحمرار. قال صاحب الجواهر: «لا أجد خلافاً بين الفقهاء في ذلك«.




   Copyright © Samih Atef El-Zein 2010   /   info@samih-atef-elzein.com     VINTOB